المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

الاثنين، 15 أبريل 2013

بوعريش: أصاب الملك حين طلب بحث الثروات المشتركة مع إسبانيا

 
يعتبر بدر بوعريش محللا اقتصاديا مختصا في الأسواق المالية العالمية داخل البنك الدولي HSBC، حيث يتردد للعمل ما بين لندن ودبي، وهو شاب مغربي من خريجي جامعة الأخوين بإفران و حاصل على ماستر في المالية من معهد المقاولات بمدريد.
ولعلاقة هذا الشاب، الذي لا يتجاوز عمره 26 سنة، بالجارة الشمالية بإسبانيا، كان اللقاء معه مناسبة من أجل استفساره عن حقيقة تصريحات المسؤولين المغاربة التي ذهبت إلى كون المغرب قادرا على مساعدة إسبانيا للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تتخبط فيها.

http://t1.hespress.com/files/badre_bouarich_179675963.jpg
بوعريش بدر أنت محلل مالي وخريج معهد إسباني مختص في التجارة، كيف تنظر إلى تصريحات المسؤولين المغاربة حول قدرة وامكانية المغرب على مساعدة اسبانيا لتجاوز الصعوبات الاقتصادية التي تجتازها؟
أول من أثار هذه الامكانية هو صاحب الجلالة بمناسبة خطاب العرش في 30/7/2012 ، عندما أماط جلالته اللثام عن التعليمات التي وجهها للحكومة من أجل العمل باستعجال وجدية لخلق ثروات مشتركة مع الجارة إسبانيا ومن بعده كررها وزير المالية ثم رئيس البرلمان. وهي تصريحات ولئن أثارت سجالا كبيرا وطرحت العديد من علامات استفهام وتعجب كبيرة، فإنها جدية وحقيقية. وكان لزاما على الاقتصاديين والمحللين المغاربة تحمل مسؤولية شرح مضمونها وكيف يمكن للمغرب أن يكون عامل حل لأزمة جيرانه الاقتصادية.
أنت كذلك لم تشرح لنا كيف؟
قبل الجواب على السؤال يجدر بنا أن نشرح لقارئ هسبريس كيف ضربت الأزمة الاقتصادية إسبانيا، وهكذا فالمشاكل الاقتصادية التي تتخبط فيها إسبانيا حاليا ترجع إلى العديد من الأسباب منها التي يتداولها الجميع والمرتبطة بسخاء الأبناك في تقديم القروض دون ضمانات كافية وقمينة للسيطرة على المخاطر.
وهذا السبب أعتبره ثانويا بالرغم من كونه مباشرا، لأن الأسباب العميقة ترجع أساسا إلى نهج واختيار سياسات عمومية من قبل الحكومات الإسبانية المتعاقبة على السلطة المركزية وفي الحكومات المستقلة طابعها اجتماعي أكثر من المعقول والاستثمار ببذخ وفي مدة وجيزة في مشاريع كبرى لا تحقق مردودا أكثر من نسبة فائدة المديونية.
وهي سياسات ذات أولويات انتخابية لدعم مركز انتخابي أو الدفاع عنه أكثر منها اقتصادية، فتراكمت بسببه مديونية إسبانيا التي تضاعفت نسبته مقارنة مع الناتج الوطني الخام بين سنتي 2007 و2011، إذ انتقلت من 36% إلى حوالي 70% واستطردت في الارتفاع سنة 2012 حيث بلغت 83% .
فأثارت انتباه وتخوف وحيطة وحذر الأسواق المالية، فأحجمت بعضها عن إقراض إسبانيا بينما آثر البعض الآخر منحها قروضا بسعر فائدة مضاعف من %3.5 إلى أكثر من %7 وبالضبط في شهر غشت 2012 وهذه الفائدة بطبيعة الحال تفوق ناتج المردودية المرجوة من الدين.
ودخلت بذلك إسبانيا في حلقة مفرغة ومغلقة قوامها الاستمرار في المديونية لسد العجز ومحاولة إنقاذ اقتصادها من الوقوع في الهاوية في موازاة استمرار تخوف الأسواق المالية الناتج عنها الاستمرار في فرض أسعار فائدة مرتفعة وبالتبعية ارتفاع المديونية.
وهو المشكل الذي تفطن إليه البنك الأوروبي المركزي فتدخل رئيسه "ماريو دراكي" بتصريحات يبرز فيها نية البنك التدخل لفائدة إسبانيا إن طلبت ذلك. وهو ما استرجعت بموجبه الأسواق المالية الثقة وخفضت سعر مديونيتها لأسبانيا إلى سابق نسبته حوالي 3.3.
كيف، إذن، يمكن للمغرب أن يساعد إسبانيا؟
بعد هذه المقدمة التي أثبتت من خلالها علاقة الاستثمار بسعر الفائدة في الأسواق العالمية وتأثير إنفاق إسبانيا على مشاريع ذات مردودية أقل من نسبة الفائدة، يبدو أن إسبانيا وجدت نفسها مضطرة غير مختارة صوب البحث وإقامة استثمارات استراتيجية تهدف وتروم تحقيق مردودية أكثر ارتفاعا، وهو ما لا يمكن تحقيقه في الوضع الحالي داخل إسبانيا ولا داخل الفضاء الأوروبي المشترك لأن نسبة النمو فيها أصبحت سلبية لعدة أسباب أساسها فقدان الثقة.
و بالمقابل فقد ثبت أن نسبة الرجوع في الاستثمار في الدول النامية يتم قياسه بالعشرات بينما في الدول المتقدمة فبالوحدات والمغرب كبلد نام يتوفر على كافة المؤهلات ليكون فضاء مستقبلا لهذه الاستثمارات، من جهة بالنظر إلى استقراره بعد إقصاء منافسيه مصر وتونس وليبيا، ومن جهة ثانية مراعاة لموقعه ومؤهلات موارده البشرية النشيطة والرخيصة وتوفره على إطار قانوني وتنظيم قضائي يحمي الاستثمارات.
وإن مردود وناتج الاستثمارات والمشاريع الاسبانية لو تم استثمارها في المغرب، لا شك أنها ستحقق ناتجا مرتفعا ومضاعفا عن ما ستذره نفس تلك الاستثمارات والمشاريع إن تم انجازه في إسبانيا، وما قد يتحقق من ناتج لو حصلت تلك الحركية إلى المغرب من ضمن الثروات المشتركة التي تحدث عنها صاحب الجلالة في خطاب العرش الأخير.
ما هي الصعوبات التي قد تعترض وصول هذه الاستثمارات الإسبانية إلى المغرب؟
كما أوضحت سابقا، فإن الساحة الإقليمية وخاصة في شمال إفريقيا بعد الثورات التي لم يهدأ لهيبها لصالح التنمية ورفاهية المواطنين، كلها عوامل لصالح تدفق الاستثمارات الأجنبية والأوروبية ومنها الاسبانية إلى المغرب، الذي نجح في امتحان الاستقرار السياسي.
لكن ثمة عائق إسباني داخلي قد يحول دون تنقل الأموال والاستثمارات الإسبانية خارج إقليمها والسماح بوصول نسبة مهمة منها إلى المغرب بشكل يتحول المغرب فعليا إلى عامل مساعد في استعادة الاقتصاد الإسباني لنموه و لعافيته. فالسياسيون الإسبان ولئن أدركوا تلك الحقيقة فهم لا يمتلكون الشجاعة والجرأة الكافية والصادقة للجهر ومخاطبة مواطنيهم بذلك وفي إقناعهم بأن حل الأزمة قد يأتي خارج حدود إسبانيا الجنوبية ومن المغرب بالذات.
طيب، وما هي الحلول، برأيك، لتجاوز هذه الصعوبات؟
أرى شخصيا أن تجاوز هذه العقبات التي لها أبعاد نفسية وسيكولوجية وبعيدة عن القواعد والأعراف ألاقتصادية يكمن في الاتفاق بين الدولتين على خلق وإنشاء شركات يختلط فيها الرأسمال المغربي بالاسباني و تشتغل فيها اليد العاملة المغربية والإسبانية على حد سواء، كما أرى أيضا أنه من شأن هذه التجربة والمساهمة في خفض نسبة البطالة في اسبانيا التي ناهزت أكثر من 25% وخاصة عند الشباب الذي بدأ يهاجر خارجها بحثا عن العمل.
ولعل الدينامية التي عرفتها العلاقات الاقتصادية المغربية الإسبانية في السنة الماضية 2012 وبداية السنة الحالية والتي توجت بتبوء إسبانيا لمرتبة الشريك التجاري الأول مع المغرب، والزيارات الرسمية المتبادلة و المتكررة لربما تسير في اتجاه تذليل تلك العقبات وتعضيد التواصل والثقة.
كما أرى مرة أخرى، أن العمل والتفكير يجب أن ينصب ويركز منذ الآن على انتقاء أفضل خطاب ووسيلة لإقناع المواطنين الإسبان بأن المغرب سيتحول لفائدتهم إلى بلد للفرص الموعودة و الرابحة علاوة على التفكير في أحسن صيغة وإطار اتفاقي يحوي تلك الشراكة.
وهل تعتقد أن هذه الشراكة قد تجعل إسبانيا تغير من موقفها إزاء قضية الصحراء؟
في زمن العولمة فإن الرهان لكسب المعارك السياسية وانتزاع المواقف موكول وحده إلى القنوات الاقتصادية والمصالح المشتركة المتكاملة. ولا محالة أن ذات العاملين سيكونان العامل الفيصل في تعبير رسمي إسباني عن موقف لا لبس ولا غموض ولا تدبدب فيه لصالح المغرب ويكون عليه إجماع الساسة الإسبان.
بطبيعة الحال هذا الموقف ليس له من أهمية كبرى لأن إسبانيا هي الدولة المحتلة لإقليمنا الجنوبي قبل استرجاعنا له منها بمقتضى اتفاق مدريد، وهي لا تتنكر له، وأهمية الموقف الإسباني تكمن في أن تتحول من الدولة المحايدة إلى الداعمة والمروجة أوروبيا وفي أمريكا الجنوبية لمبادرة المغرب بمنح الإقليم حكم ذاتي موسع تحت السيادة المغربية كحل نهائي ووحيد لإنهاء النزاع.
ما هي الانطباعات والملاحظات التي خرجت بها خلال إقامتك باسبانيا؟
خلال تواجدي بإسبانيا والتي تزامنت مع أحداث مخيم كديم إزيك أثار انتباهي غياب الصوت الداعم للمغرب وغياب المجتمع المدني المؤيد لمواقفه، إذ تركنا الساحة الإسبانية فارغة لصالح أعداء الوحدة المغربية يتصرفون فيها بما يحلو لهم، ويؤلبون الإسبان بالأكاذيب.
ولهذا فإنني أهيب بالمسؤولين المغاربة مراجعة هذا النقص عن طريق دعم التواصل مع جيراننا الإسبان وتعزيز الدبلوماسية المدنية والشعبية لملء هذا الفراغ من أجل تغيير الصورة النمطية المشوهة حول المغرب والتي تروج لها وسائل الاعلام.
في الأخير أطلب من هسبريس الإشارة إلى كون هذه المواقف والآراء تعبر عن موقف شخصي ولا علاقة لها بالبنك الذي أشتغل فيه.

ليست هناك تعليقات: